حسن الأمين

211

مستدركات أعيان الشيعة

لما كان نادر في الهند فاتحا أمر جنوده بان لا ياسروا هنديا ، عسكريا كان أو غير عسكري ، رجلا كان أو امرأة ، إلا أن يكون أحدهم قد اشترى رقيقا أو تزوج بامرأة بعقد شرعي . فمن اشترى رقيقا فعليه أن يحصل على سند من البائع يشهد بأنه قد باع رقيقه مختارا . ومع هذا لا يجوز لأحد من الإيرانيين أن يحمل معه إلى إيران الرقيق ولا الزوجة الشرعية إلا برضاهما . ومن خالف هذا الأمر فماله ودمه مباحان . وكان بعض رؤساء عسكره قد تزوجوا بنساء هنديات . فلما تحركت ركابه من دهلي علم أن هؤلاء النساء يرغبن عن مرافقة أزواجهن إلى إيران ، فأمر فورا بردهن إلى أهلهن . وقال فيه أيضا في كلام له عن وقائع نادر : عجيب أن يحدث مثل هذه الوقائع الغريبة من رجلا لا مال له ولا نفر ! وقال : كان نادر متسامحا عظيم التسامح ، منطلق اليد والقلب . وفي شبابه بلغ به الاعدام والفقر بحيث كان يضطر إلى الاقتراض . فلما شوهد يأوي إلى مثواه الخاص قبل منتصف الليل . ولا يمكث فيه أكثر من خمس ساعات . وقبل طلوع الشمس يكون قد انكب على العمل . طعامه بسيط قليل . وقد تشغله كثرة عمله اليومي عن الطعام بالمرة ، ويكتفي بقليل من الحمص المحمص - وكان يحمله في جيبه دائما - وقليل من الماء . ولا يستغرق طعامه من الوقت أكثر من نصف ساعة ، ينصر بعده توا إلى العمل . وقال المؤرخ الانكليزي « إدوار براون لكهارت » في كتابه « تاريخ نادر » : كان نادر في التكتيك الحربي أعلى بمراتب من نابليون والإسكندر وتيمور وفردريك . وجنوده صفوة أكثر تجربة وأشجع من جنود نابليون . ومن أعظم أعماله وأظهرها أنه أوجد في مجال حكمه أمنا واستقرارا لا سابقة لهما . وذاد عن حدود إيران الشرقية الغزاة المتوحشين وقطاع الطرق ، حتى عادت خراسان مرة أخرى موضع اهتمام أهل التجارة وطلاب السلام . وقال : كان نادر واحدا من أعاظم نوابغ العالم العسكريين بما هو جندي لا نظير له وقائد عسكري عظيم . وإذ كان من أسرة مغمورة ، وهو إلى ذلك ، لم يتلق تعليما ولا توجيها تربويا من أحد ، فلا شك بان نبوغه العسكري وروحه الحربية هبة إلهية . وقال : نبوغ نادر في معركة « مهمان دوست » يبعث على الاعجاب ، لا من جهة القيادة والإصابة فقط ، بل من جهة دقة المراقبة في نظم للعسكر وتحقيق انضباطهم بما لا نظير له أيضا . ويمكن القول بحق إن حنكة قوات نادر ، ولا سيما انضباطهم ، كان لها آثار كالمعجزة . وما نفخه هذا النابغة العظيم في نفوس الجند من روح الشجاعة والاقدام جعل الإيرانيين ، وقد كانوا إلى ذلك اليوم يحسون في قلوبهم برعب عظيم من قساوة قلوب الأفاغنة وإقدامهم ، في غاية الشجاعة والثبات ، بل أثبتوا أنهم محاربون أكفاء يخشى جانبهم . ومع ما كان عليه نادر من ثقة عجيبة بنفسه بما هو قائد عظيم ، كانت له القدرة على أن يحمل جنوده على التسليم بخبرته وكفاءته . وكان الأب « لويس بازن » مبشرا ، وكان طبيبا يداوي نادرا . وقد بعث إلى رئيسه في فرنسا بتقريرين مطولين جاء في أحدهما : مع أن نادرا ولد في عائلة من العائلات الدنيا في المجتمع ، فكأنما ولد ليكون قائدا . فقد جمعت فيه الطبيعة كل الصفات والخصوصيات التي تؤهله لأن يكون آمرا وقائدا عسكريا عظيما . تلك الصفات التي تنقص كثيرا من الملوك . وقلما تجد في التاريخ نابغة أقوى وأنفذ لبا وشجاعة من نادر . كانت كل خططه واسعة ، يهيأ للفوز بمقاصده كل الوسائل اللازمة بمنتهى البراعة والدقة . وقال اللورد « غرزن » : ما مضى على سقوط الأسرة الصفوية غير عشرين عاما حتى وجدنا أنفسنا نواجه فاتحا إيرانيا متقدرا جعل من آسيا المركزية ساحة للكر والفر ، وقلب الممالك والأباطرة . وكتب « وليم كوكل » وكيل « شركة الهند الشرقية » الإنكليزية في إيران أيام نادر شاه : الموهبة العسكرية العجيبة عند هذا القائد مع حسن الطالع قد جمعا بين محبيه وأولئك الذين كانوا يخشونه ، وأوقعا الخوف في أعدائه والرعب في نفس الشاه . وقال : من أدل الدلائل على سعة فكر نادر وصحة أحكامه مخالفته سنة من سبقه من الملوك وسائر أمراء الشرق في حجب أبنائهم داخل الحرم مع النسوان والخصيان إلى يوم يتولون الحكم . وقال : مبلغ مهارة نادر وسرعته في تشخيص المواضع الضعيفة من عدوه ، وتفننه في حماية جنده أمر لا يصدق . وكان إذا تراجع أحد قواده بلا مسوغ علاه بالعصا وظل يضرب على رأسه حتى يقع على الأرض . وحينئذ يوكل القيادة إلى مأمورة الذي تحت يده . وقال الجنرال الروسي « كيشيشوف » في كتابه « حملة نادر شاه إلى الهند » . السبب الأول في انتصارات نادر وتقدمه هو بعد همته ودرايته . ولا شك أن نادرا قد حرر وطنه من نير الأجانب واستعبادهم ، وأضعف العثمانيين إلى حد بعيد بجيوشه التي قادها إلى محاربتهم ، وأوجد في الوقائع الأوروبية تحولات عظيمة . وفي الشرق زلزل قواعد الإمبراطورية المغولية في الهند وجعل سقوطها أمرا مسلما به . وانتهى إلى إعلاء إيران من حضيض الذل إلى أوج الرفعة والعظمة ، وحولها من دولة ضعيفة إلى دولة من أقوى الدول . وإذ كان نادر يصرف أكثر أوقاته ، بل كل أوقاته ، في قيادة القوى العسكرية والتفنن في تجهيزها وتسييرها ، فقد أوكل أمور الدولة الإدارية إلى معاونيه . كان كلما استتب السلام والاستقرار عاد إلى الانهماك في تهيئة المقدمات لحرب أخرى ، ومن ثم ينسى غيرها من شؤون الدولة ، فلا يهتم بها ، إذ كان يشغله عنها حبه الشديد للحرب . وقال :